العيني
127
عمدة القاري
رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أحجج مع امرأتك ) . فدل ذلك على أنها لا ينبغي لها أن تحج إلاّ به ، ولولا ذلك لقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وما حاجتها إليك لأنها تخرج مع المسلمين ، وأنت فامض لوجهك فيما اكتتبت ، ففي ترك النبي صلى الله عليه وسلم أن يأمره بذلك وأمره أن يحج معها دليل على أنها لا يصلح لها الحج إلاّ به . وروى ابن حزم حديث ابن عباس هذا في ( المحلى ) بسنده ، كما مر ، غير أن في لفظه : ( إني نذرت أن أخرج في جيش كذا ) ، عوض قوله : ( إني اكتتبت في غزوة كذا ) . ثم قال : ولم يقل صلى الله عليه وسلم : لا تخرج إلى الحج إلاّ معك ، ولا نهاها عن الحج ، بل ألزمه ترك نذره في الجهاد وألزمه الحج معها ، فالفرض في ذلك عليه لا عليها . قلت : إنما قال ذلك توجيها لمذهبه في أن المرأة تحج من غير زوج ومحرم ، فإن كان لها زوج ففرض عليه أن يحج معها وليس كما فهمه ، بل الحديث في نفس الأمر حجة عليه ، لأنه لما قال له : ( فأخرج معها ) ، وأمر بالخروج معها فدل على عدم جواز سفرها إلاّ به أو بمحرم ، وإنما ألزمه بترك نذره لتعلق جواز سفرها به . فإن قلت : ظاهر الحديث يدل على أن الزوج أو المحرم إذا امتنع عن الخروج معها في الحج أنه يجبر على ذلك ، ومع هذا فأنتم تقولون : إذا امتنع الزوج أو المحرم لا يجبر عليه . قلت : فليكن كذلك فلا يضرنا هذا ، وإنما قصدنا إثبات شرطية الزوج أو المحرم مع المرأة إذا أرادت الحج ، على أن هذا الأمر ليس بأمر إلزام ، وإنما نبه بذلك على أن المرأة لا تسافر إلاّ بزوجها ، ومذهب الشافعي ومالك أن المرأة تسافر للحج الفرض بلا زوج ولا محرم ، وإن كان بينها وبين مكة سفرا ولم يكن وخصَّا النهي الوارد عن ذلك بالأسفار غير الواجبة ، ومذهب عطاء وسعيد بن كيسان وطائفة من الظاهرية : أنه يجوز سفر المرأة فيما دون البريد ، فإذا كان بريدا فصاعدا فليس لها أن تسافر إلاّ بمحرم ، واحتجوا في ذلك بما رواه الطحاوي ، قال : حدثنا أبو بكرة قال : حدثنا أبو عمر الضرير عن حماد بن سلمة ، قال : حدثنا سهيل بن أبي صالح عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة ، رضي الله تعالى عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تسافر امرأة بريدا ، إلاّ مع زوج أو ذي محرم ) . وأخرجه البيهقي أيضا ، ولفظه : ( لا تسافر المرأة بريدا إلاّ مع ذي محرم ) ، وأخرجه أبو داود نحوه . وذهب الشعبي وطاووس وقوم من الظاهرية إلى أن المرأة لا يجوز لها أن تسافر مطلقا سواء كان السفر قريبا أو بعيدا ، إلا ومعها ذو محرم لها ، واحتجوا في ذلك بما رواه الطحاوي . قال حدثنا روح بن الفرج ، قال : حدثنا حامد بن يحيى ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، قال : حدثنا ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تسافر المرأة إلاّ ومعها ذو محرم ) . قال الطحاوي : اتفقت الآثار التي فيها مدة الثلاث كلها عن النبي صلى الله عليه وسلم في تحريم السفر ثلاثة أيام على المرأة بغير محرم ، واختلف فيما دون الثلاث ، فنظرنا في ذلك فوجدنا النهي عن السفر بلا محرم مسيرة ثلاثة أيام فصاعدا ثابتا بهذه الآثار كلها ، وكان توقيته ثلاثة أيام في ذلك إباحة السفر دون الثلاث لها بغير محرم ، ولولا ذلك لما كان لذكره الثلاث معنىً ، ولنهى نهيا مطلقا . ولم يتكلم بكلام يكون فصلاً ، ولكن ذكر الثلاث ليعلم أن ما دونها بخلافها ، ثم ما روي عنه في منعها من السفر دون الثلاث من اليوم واليومين والبريد ، فكل واحد من تلك الآثار ، ومن الأثر المروي في الثلاث متى كان بعد الذي خالفه شيخه إن كان على سفر اليوم بلا محرم بعد النهي عن سفر الثلاث بلا محرم فهو ناسخ ، وإن كان خبر الثلاث هو المتأخر عنه فهو ناسخ ، فقد ثبت أن أحد المعاني دون الثلاث ناسخة للثلاث ، أو الثلاث ناسخة لها ، فلم يخل خبر الثلاث من أحد وجهين : إما أن يكون هو المتقدم ، أو يكون هو المتأخر ، فإن كان هو المتقدم فقد أباح السفر بأقل من ثلاث بلا محرم ، ثم جاء بعده النهي عن سفر ما هو دون الثلاث بغير محرم ، فحرم ما حرم الحديث الأول وزاد عليه حرمة أخرى وهي ما بينه وبين الثلاث ، فوجب استعمال الثلاث على ما أوجبه الأثر المذكور فيه ، وإن كان هو المتأخر وغيره المتقدم فهو ناسخ لما تقدمه ، والذي تقدمه غير واجب العمل به ، فحديث الثلاث واجب استعماله على الأحوال كلها ، وما خالفه فقد يجب استعماله إن كان هو المتأخر ، ولا يجب إن كان هو المتقدم ، فالذي قد وجب علينا استعماله والأخذ به في كلا الوجهين أولى مما يجب استعماله في حال وتركه في حال . انتهى . وقال القاضي عياض : وقوله في الرواية الواحدة عن أبي سعيد : ثلاث ليال ، وفي الأخرى : يومين ، وفي الأخرى : أكثر من ثلاث ، وفي حديث ابن عمر : ثلاث ، وفي حديث أبي هريرة : مسيرة ليلة ، وفي الأخرى عنه : يوم وليلة ، وفي الأخرى عنه : ثلاث ، وهذا كله ليس يتنافر ولا يختلف ،